أبي الفرج الأصفهاني

165

الأغاني

اقترض الواثق مالا ليعطيه له قال ابن المرزبان : فكان عبد اللَّه بن العبّاس سببا لمعرفة أولياء العهود برأي الخلفاء فيهم ، فكان منهم الواثق ، فإنه أحبّ أن يعرف : هل يولَّيه المعتصم العهد بعده أم لا ، فقال له عبد اللَّه : أنا أدلَّك على وجه تعرف به ذلك ، فقال : وما هو ؟ فقال : تسأل أمير المؤمنين أن يأذن للجلساء والمغنّين أن يصيروا إليك ، فإذا فعل ذلك فاخلع عليهم / وعليّ معهم ، فإني لا أقبل خلعتك لليمين الَّتي عليّ ؛ ألَّا أقبل رفدا إلا من خليفة أو وليّ عهد . فقعد الواثق ذات يوم وبعث إلى المعتصم وسأله الإذن إلى الجلساء [ 1 ] ، فأذن لهم ، فقال له عبد اللَّه بن العبّاس : قد علم أمير المؤمنين يميني ، فقال له : امض إليه فإنك لا تحنث ، فمضى إليه وأخبره الخبر فلم يصدّقه ، وظنّ أنه يطيّب نفسه ، فخلع عليه وعلى الجماعة ، فلم يقبل عبد اللَّه خلعته ، وكتب إلى المعتصم يشكوه ، فبعث إليه : اقبل الخلعة ، / فإنه وليّ عهدي ، ونمى إليه الخبر أنّ هذا كان حيلة من عبد اللَّه ، فنذر دمه ، ثم عفا عنه . وسرّ الواثق بما جرى ، وأمر إبراهيم بن رياح ، فاقترض له ثلاثمائة ألف درهم ، ففرّقها على الجلساء ، ثم عرف غضب المعتصم على عبد اللَّه بن العباس واطَّراحه إيّاه ، فاطَّرحه هو أيضا . فلمّا ولي الخلافة استمرّ على جفائه ، فقال عبد اللَّه : ما لي جفيت وكنت لا أجفى أيام أرهب سطوة السّيف أدعو إلهي أن أراك خليفة بين المقام ومسجد الخيف ودسّ من غنّاه الواثق ، فلما سمعه سأل عنه ، فعرف قائله ، فتذمّم [ 2 ] ودعا عبد اللَّه فبسطه ونادمه إلى أن مات . وذكر العتّابيّ عن ابن الكلبيّ أنّ الواثق كان يشتهي على عبد اللَّه بن العباس : أيّها العاذل جهلا تلوم قبل أن ينجاب عنه الصّريم [ 3 ] وأنه غنّاه يوما فأمر بأن يخلع عليه خلعة ، فلم يقبلها ليمينه ، فشكاه إلى المعتصم ، فكاتبه في الوقت ، فكتب إليه مع مسرور سمّانة : اقبل خلع [ 4 ] هارون فإنك لا تحنث ، فقبلها وعرف الواثق أنّه وليّ عهد . خرج يوم الشعانين ليرى محبوبته النصرانية حدّثني عمّي ، قال : حدّثني أحمد بن المرزبان ، قال : حدّثني شيبة بن هشام ، قال : كان عبد اللَّه بن العبّاس يهوى جارية نصرانيّة لم يكن يصل إليها ولا يراها إلا إذا خرجت إلى البيعة ، فخرجنا يوما معه إلى السّعانين ، فوقف حتى إذا جاءت فرآها ، ثم أنشدنا لنفسه ، وغنّى فيه بعد ذلك :

--> [ 1 ] ف : « وسأله الإذن للجلساء » . [ 2 ] تذمم : استنكف واستحيا . [ 3 ] الصريم : القطعة من الليل . [ 4 ] ف : « خلعة » .